علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
176
الصداقة والصديق
العبّاس - واللّه - ظريف ، مليح ، حكيم ، وشعره جزل ، وكان قليلا ما يرضى الشعر فكان ينشد هذا كثيرا له : [ مودة وتجني ] ألا تعجبون كما أعجب * صديق يسيء ولا يعتب وأبغي رضاه على سخطه * فيأبى عليّ ويستصعب فيا ليت حظّي إذا ما أسات * أنّك ترضى ولا تغضب [ من كتاب ] وقال لنا الناقط : كتب أبو الحوراء إلى صديق له : اللّه يعلم أنك ما خطرت ببالي في وقت من الأوقات إلّا مثّل الذكر منك لي محاسن تزيدني صبابة إليك ، وضنّا بك ، واغتباطا بإخائك . [ مع الدهر ] أخبرنا ابن سحرة ، حدثنا أبو إسماعيل الحريمي قال : دخلت على عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر وكنت قد تأخرت عنه فقال : رأيت جفاء الدهر بي فجفوتني * كأنّك غضبان عليّ مع الدهر فقلت : أيّها الأمير لو علمت أنّي أسمع هذا لأعددت له جوابا يناضل عني في الاعتذار ، ويتقدمني بطلائع الشوق إليك ، ويقوم لي مقام العذر قبلك « 1 » ، ولقد بدهتني بمفحمة « 2 » ، وتركّبتني بمظلمة ، وباللّه الذي أسأله الزّلفة عندك إني ما تأخرت إلّا لعذر خافية كالشمس وضوحا ، وغائبه كالحاضر عيانا ، ومظنونه كالمشاهد يقينا ، ومع ذلك فلم أخل من خاطر شوق كالسّنان ، ونزاع نفس كالجمر ، وتبرّم بالعيش كالحمام ، أفأنا أجفوك مع الدهر ، وأكون ألبا « 3 » له عليك ، وأنا ألحاه « 4 » على جفائه لك ، إنحائه « 5 »
--> ( 1 ) قبلك : عندك . ( 2 ) بدهه أمر بدها : بغته . أفحمه : أسكته بالحجة في خصومة أو غيرها . ( 3 ) ج ق - ألفا . ألب وتألب : تجمع وتحشد . ( 4 ) ألحاه : لامه . ( 5 ) أنحى : أقبل ويقال : « أنحى عليه باللوائم إذا أقبل عليه بها » .